١. تشريح السايبورغ: زواج هندسة هوندا وسحر سوني الرقمي
حتى عام ٢٠٢٥، لعبت البرمجيات في السيارات دوراً "داكماً". ولكن مع وصول Afeela، دخلنا رسمياً عصر المركبات المعرفة برمجياً (SDV - Software Defined Vehicle). في هذه الآلة، تعد الأجهزة (المحرك والعجلات) مجرد منصة لتشغيل البرمجيات.
في مشروع Sony Honda Mobility (SHM)، تقسيم العمل واضح وصارم: هوندا مسؤولة عن المنصة الميكانيكية وسلامة التصادم، بينما تولت سوني مسؤولية "الحواس" و"الدماغ". النتيجة هي سيارة تتعلم باستمرار. قد تنام ليلة وتستيقظ لتجد أنه عبر تحديث هوائي (OTA)، تم تحسين نظام التعليق الخاص بك للطرق الثلجية بناءً على بيانات الطقس.
٢. التحليل الخارجي: عندما يصبح هيكل السيارة لوحة إعلانية
الميزة الأولى التي تلفت الانتباه هي شريط العرض الموجود على المصد الأمامي، والذي تسميه سوني Media Bar (شريط الوسائط).
هذا الشريط ليس للجمالية فقط؛ إنه أداة اتصال الذكاء الاصطناعي بالعالم الخارجي. يمكن للسيارة إرسال رسائل للمشاة ("الرجاء العبور")، أو عرض حالة الشحن، أو حتى عرض سمات ألعاب بلايستيشن.
التحليل الأمني: على الرغم من كونها مذهلة بصرياً، إلا أن خبراء الأمن السيبراني قلقون بشأن "القرصنة البصرية". تخيل لو سيطر القراصنة على هذه الشاشة لبث إشارات مضللة (مثل ضوء أخضر زائف) للسائقين الآخرين. في عام ٢٠٢٦، لم يعد هيكل سيارتك ملكاً لك وحدك.
٣. قمرة قيادة أم سينما؟ الشاشات البانورامية ومحرك Unreal Engine 5.4
داخل Afeela، انقرضت الأزرار المادية. تمتد شاشة بانورامية عبر لوحة القيادة بأكملها. لكن المفتاح هو رسومات واجهة المستخدم. قامت سوني، بالتعاون مع Epic Games، ببناء الواجهة بالكامل باستخدام محرك الألعاب Unreal Engine 5.4.
هذا يعني أن نظام الملاحة (GPS) لم يعد خريطة ثنائية الأبعاد مملة؛ إنه عالم ثلاثي الأبعاد واقعي للغاية. عندما تمطر في الخارج، تمطر البيئة الافتراضية داخل الشاشة أيضاً. لقد طمست سوني الخط الفاصل بين "الواقع" و"الميتافيرس" داخل المقصورة، وهي مصممة لجعل الركاب ينسون أنهم في زحمة السير.
۴. العقل المدبر: تشريح معالج Snapdragon Ride Flex
القلب النابض لسيارة Afeela ليس محركها الكهربائي، بل "هيكلها الرقمي" من كوالكوم. هذه أول مركبة تستخدم منصة Snapdragon Ride Flex الموحدة.
تصل قوة المعالجة لهذا النظام إلى رقم مذهل يبلغ ٨٠٠ تيرافلوبس (TOPS). للمقارنة، يمتلك جهاز PS5 حوالي ١٠ تيرافلوبس. لماذا تحتاج سيارة إلى قوة ٨٠ جهاز ألعاب؟
يكمن الجواب في المعالجة المتزامنة لـ ٤٥ مستشعراً وتنفيذ نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الثقيلة. تدير هذه الشريحة نظام المعلومات والترفيه، والقيادة الذاتية، وأنظمة مراقبة السائق في وقت واحد دون أي تأخير (Latency).
٥. الذكاء الاصطناعي التوليدي: شراكة Microsoft Azure OpenAI
المساعد الصوتي في Afeela ليس مجرد متلقي أوامر بسيط مثل "شغل الموسيقى". دخلت سوني في شراكة مع مايكروسوفت لدمج Azure OpenAI في جوهر السيارة.
هذا "الوكيل الرقمي" يجري محادثات طبيعية معك. يمكنه اكتشاف حالتك المزاجية بناءً على نبرة الصوت وتعبيرات الوجه. إذا شعر بالتوتر، فإنه يدفئ إضاءة المقصورة، ويشغل موسيقى هادئة، ويجعل نظام التعليق أكثر ليونة. سيارتك الآن هي طبيبك النفسي.
٦. القيادة الذاتية من المستوى الثالث: نظرة مفصلة على ٤٥ مستشعراً
الأمان في Afeela مبني على قانون "التكرار" (Redundancy). تفتخر السيارة بـ ٤٥ مستشعراً مختلفاً:
- ليدار (LiDAR): عين ليزرية على السقف توفر خرائط ثلاثية الأبعاد دقيقة (على عكس تسلا التي أزالت الليدار).
- الكاميرات: ١٢ كاميرا توفر رؤية بزاوية ٣٦٠ درجة.
- الرادار والموجات فوق الصوتية: لإدراك العمق في الظروف الجوية السيئة.
٧. الجانب المظلم للذكاء الاصطناعي: معضلة العربة (Trolley Problem)
هذه هي المناقشة الأثقل. عندما تتحكم خوارزمية في عجلة القيادة، من يتحمل "المسؤولية الأخلاقية"؟
تخيل طفلاً يركض فجأة إلى الشارع. الكبح مستحيل. أمام السيارة خياران: دهس الطفل، أو الانحراف والاصطدام بجدار خرساني (مما قد يؤدي إلى مقتل السائق).
البشر يتفاعلون بغريزة. الذكاء الاصطناعي يختار بناءً على الكود. يجب على مبرمجي سوني كتابة سطور من التعليمات البرمجية التي تعطي قيمة للحياة. هل يجب أن تعطي السيارة الأولوية دائماً للراكب (العميل)؟ أم للمشاة (المجتمع)؟
لا يوجد قانون عالمي لهذا حتى الآن، وهذا "الفراغ القانوني" هو الجزء الأكثر رعباً في المستقبل المستقل.
٨. الأمن السيبراني: برامج الفدية على المكابح
أي شيء "ذكي" قابل للاختراق. Afeela متصلة دائماً بشبكات 5G/6G.
أظهر الباحثون أن هجمات "الرجل في المنتصف" (Man-in-the-Middle) يمكنها تزييف إشارات GPS، مما يقود السيارات ذاتية القيادة إلى الموقع الخطأ. والأسوأ من ذلك، تخيل برامج الفدية (Ransomware) التي تغلق مكابحك الإلكترونية (Brake-by-Wire) على الطريق السريع حتى تدفع بعملة البيتكوين. تعد سوني بتشفير من الدرجة العسكرية، لكن التاريخ يظهر أنه لا يوجد نظام غير قابل للاختراق.
٩. المواصفات الميكانيكية
دعونا لا ننسى، إنها لا تزال سيارة:
- البطارية: حزمة ليثيوم أيون بقدرة ٩١ كيلو واط في الساعة.
- الشحن: تدعم الشحن السريع بالتيار المستمر (DC) حتى ١٥٠ كيلو واط.
- مجموعة نقل الحركة: محرك مزدوج (دفع رباعي AWD) ينتج ٤٨٣ حصاناً.
- نظام التعليق: تعليق هوائي أمامي مزدوج الترقوة وخلفي متعدد الوصلات لركوب يشبه السحاب.
١٠. الخلاصة: هل نحن مستعدون للتنازل عن المقود؟
تُعد Sony Afeela تحفة هندسية. إنها تمثل قمة تكنولوجيا عام ٢٠٢٦، وتقدم راحة وترفيهاً لا مثيل لهما.
لكنها في الوقت نفسه، ترمز إلى استسلام الوكالة البشرية للخوارزمية. بالنسبة لأولئك الذين يكرهون حركة المرور، فهي جنة متنقلة. لكن بالنسبة لأولئك الذين يحبون "الاتصال الميكانيكي بالطريق"، فإن Afeela قفص ذهبي. قفص مليء بأجهزة الاستشعار التي تراقب كل تحركاتك، وتقرر مسارك نيابة عنك.
عام ٢٠٢٦ هو العام الذي يجب أن نختار فيه: هل نريد راحة الذكاء الاصطناعي، أم حرية الخطأ البشري؟
